مقالات و آراء

الشركات المساهمة في فلسطين (3) … حول عضوية مجالس الادارة و مكافآتهم التي قد تصل إلى 3000 دولار في الساعة الواحدة ..

ضمن سلسة المقالات التي تناولت فيها قطاع الشركات المساهمة العامة و الخاصة في فلسطين ,و التي تم نشر مقالين ضمن هذه السلسلة , سأتناول في هذا المقال قضية أخرى هي عضوية مجالس الادارة , كيفية إختيارهم , مكافآتهم الفلكية و قضايا أخرى ذات علاقة  .

تقوم الشركات المساهمة في نهاية السنة المالية بمنح مكافأة لأعضاء مجالس الادارة الذين يتراوح عددهم ما بين  5-11 عضوا نظير عضويتهم في مجلس الادارة و المجهودات التي يبذلوها في تسيير عمل الشركة .  حيث تتراوح قيمة المكافأة بين 5%-10% من الارباح . فإذا ما بلغت قيمة الارباح الصافية لشركة ما 30 مليون دولار مثلا , وحيث ينص النظام الداخلي على توزيع 5% من صافي أرباحها على أعضاء مجلس الادارة , فذلك يعني أن يحصل كل عضو على مكافأة قد تصل قيمتها إلى 150,000 دولار ( مائة و خمسون ألف دولار سنويا ) مقابل عضويته في مجلس الادارة وحضوره إجتماعات المجلس خلال العام والتي  قد يبلغ متوسطها 15 جلسة , مما يعني 10,000 دولار ( عشرة آلاف دولار ) لكل جلسة لا تزيد مدتها عادة عن 3 ساعات أي ما يزيد عن 3000 دولار لكل ساعة  . تمتنع الكثير من الشركات المساهمة و البنوك على  الافصاح عن قيمة المكافآت الممنوحة لأعضاء مجلس الاادارة في حين تشير بعض الشركات  إلى مجموع قيمتها دون تفاصيل , على سبيل المثال قد أعلنت شركة باديكو في تقرير أعمالها السنوي لعام 2009 عن توزيعها  300,000 ( ثلاثمائة ألف دولار ) مكافاة  لأعضاء مجلس إدراتها و 268000 لإعضاء الادارة العليا دون تفصيل .

و نظرا للمردود المالي الضخم جدا لمنصب العضوية في مجلس الادارة للشركات المساهمة دون أن يتطلب ذلك مجهودا او إستثمارا  كبيرا , فقد أصبحت عضوية مجلس إدارة الشركات المساهمة الخاصة و العامة مجالا للتنافس الشديد بين عدد محدود من الاشخاص الذين يسعون جاهدين للفوز بعضوية عدد من الشركات لما يحققه ذلك من دخل مرتفع و مضمون دون إي إستثمار . من ناحية أخرى يعمد كبار المساهمين في الشركات المساهمة الخاصة و العامة إلى تعيين أشخاص في مجلس الادارة ممن لديهم القدرة العالية على الانسجام مع قراراتهم و المصادقة على قراراتهم دون مسائلة حقيقية و هي مهمة بسيطة مقارنة بالعائد الضخم . كذلك قد يستخدم كبار المساهمين بطاقة العضوية في مجلس الادارة للحصول على التأثير و النفوذ السياسيين و الحصانة ضد أي محاولات للمحاسبة أو فسخ العقد أو تعديل شروطه و ذلك  من خلال منح العضوية لمن يمتلكون هم أو أبائهم  مناصب سياسية و أمنية مؤئرة أو للإيهام بتحقق شرط ما  كتمثيل القدس أو قطاع غزة في مجلس إدارة الشركة !!

 

يحصل بعض أعضاء مجالس الادارة الذين يتمتعون بعضوية عدة شركات على مكافآت سنوية تصل إلى مليون دولار مقابل حضورهم جلسات مجالس إدارات هذه الشركات على الرغم من أن البعض منهم لا يواظب على الحضور بسبب سفره المتكرر أو تواجده بشكل شبه دائم خارج البلاد معظم أوقات السنة أو بسبب  تواجده في منطقة غير تلك التي تتواجد فيها الشركة  أو بسبب المرض و كبر السن  .

في حين تلجأ الكثير من الشركات المساهمة عمدا إلى تقليص عدد أعضاء مجلس الادارة  وذلك بهدف ضمان السيطرة على إدارة الشركة  وإبقاء الباب مغلقا أمام أي عضويات جديدة من جهة و بهدف رفع  قيمة المكافأة لكل عضو من جهة ثانية . الاكثر خطورة أن بعض الاعضاء في مجلس إدارة شركة ما يرتبطون  بعقود عمل مع نفس الشركة أو مع شركات مساهمة أخرى يتطلب مجال عملها التنسيق مع أو الاشراف على الشركة  المساهمة التي يتمتع بعضوية مجلس إدارتها مما قد يفتح المجال واسعا للمحاباة و الفساد و غض الطرف وتسريب المعلومات و ممارسة الاحتكار وهذا يمثل إنتهاكا صارخا للقانون و يدمر مبدأ الشفافية و المحاسبية  .

قد يقول قائل أن من حق الشركات أن تقرر قيمة المكافآت السنوية لإعضاء مجالس إدارتها طالما يتم المصادقة عليها من قبل الجمعيات العمومية لهذه الشركات . إن مثل هذا التبرير غير مقبول مطلقا لاسباب عديدة منها:- 

يتم تحميل هذه المكافآت في النهاية على المستهلك حيث ترتفع تكلفة تقديم الخدمات له , و تقلل من قيمة الارباح التي يتم توزيعها على المساهمين الصغار . و تعمل على تكديس الثروة دون وجه حق .

تساهم مثل هذه المكافآت الضخمة في تشويه النسيج الاجتماعي و تجعله غير متناسقا وتنسف المبدأ الاقتصادي الاخلاقي الذي يوازي بين الانتاج و و المردود . حيث تساهم هذه المكافأت الخيالية في خلق مايسمى بإقتصاد الكازينو أي ” المقامرة ” حيث يتم الحصول على عوائد  خيالية لا تتلائم مطلقا مع الجهد المبذول .  كذلك تساهم في خلق تحالفات و تكتلات إقتصادية ( نوادي الاثرياء ) و مراكز قوى ذات تأثير سياسي . لقد أصبح معروفا في الحالة الفلسطينية أن هناك عدد محدود جدا من أصحاب الاعمال و الاثرياء و حولهم عدد من التكنوقراط الذين يسيطرون على  معظم هذه الشركات إستثمارا و إدارة مما خلق حالة من المحاباة  و تفشي الفساد و إنعدام المسائلة  .

لقد شكلت قضية المكافأت الضخمة التي يقررها أعضاء مجالس الادارة و المدراء لأنفسهم بأنفسهم  في الشركات الكبيرة أحد أسباب الازمة المالية التي ما زالت تعصف بالعالم وخاصة الغربي منه .  حيث تدخلت العديد من الدول في هذه المجال بهدف تقنينها , و منها إدارة الرئيس أوباما في أمريكا , وهي قلب الرأسمالية حيث طالبت من مجالس الادارة و المدراء في الشركات الكبيرة تخفيض قيم مكافآتهم بشكل كيبر للمساعدة في الخروج من الازمة المالية بسبب أنها المسؤولة جزئيا عن خلق و تعميق الازمة المالية العالمية . كذلك تدخلت دول الخليج جميعا في هذا  المجال حيث تم تشخيص إرتفاع قيمة المكافآت لأعضاء مجالس الادارة كأحد أسباب الازمة في تلك الدول . يدور جدل حاليا حول هذه القضية في دول الخليج حيث بدأت برلمانات تلك الدول مناقشة هذه القضية و بدأت بسن تشرعيات و قوانين و ضوابط لتحديد قيمة المكافأت بما لا يضر الاقتصاد الكلي .

قد يكون هذ الامر مبررا في أمريكا و أوروبا أو حتى في دول الخليج حيث أن النشاط الاقتصادي في هذه الدول مرتفع جدا و وحيث تحقق الشركات مستويات عالية من الارباح و إرتفاع مستوى الاجور في القطاع العام و الخاص , إلا أن هذه الشروط غير متوافرة فلسطينيا . فكيف يمكن تبرير  مكافآت فلكية في ظل مستوى أجور لا يزيد عن 1,000  دولار شهريا و في ظل مستويات عالية جدا من الفقر و البطالة . و كيف يمكن تبرير هذه الظاهرة في ظل وجود العشرات من أعضاء مجالس الادارة في المؤسسات الاهلية الذي يعملون ليل نهار في خدمة مجتمعهم دون أن يتلقوا أي مردود مالي بل يتبرعون أحيانا من مواردهم الخاصة إضافة إلى تبرعهم بوقتهم و خبرتهم و هي لا تقل مطلقا عن تلك التي يتمتع بها  بعض أعضاء مجالس الادارة في الشركات المساهمة .  هذ لا يبرر مطلقا أن الكثير ممن يتبؤون مناصب تنفيذية أو إدارية عليا في بعض المؤسسات الاهلية الثرية يتقاضون مرتبات و مكافآت ضخمة جدا لا تتسق مطلقا مع الشعارات التي ترفعها مؤسساتهم  . يمكن تخيل الصدمة التي يمكن أن يصاب بها المتطوعون من الشباب \ النساء و نشطاء المجتمع المدني الذين  يقومون بعمل طوعي منذ عشرات السنوات كأعضاء في مجالس إدارة مؤسسات أهلية تهتم بالاطفال و ذوي الاحتياجات الخاصة دون أن يتلقوا أي مردود مالي  .  أورد هنا مجموعة من المقترحات الهادفة إلى الاصلاح , وهي مقترحات بدأت الكثير من الدول في تطبيقها بهدف إصلاح مجال عمل الشركات المساهمة :

الحد من تعدد العضوية للشخص الواحد بحد أقصى عضوية شركتين مما سيعمل على توسيع قاعدة المشاركة المجتمعية في إدارة هذه الشركات . كذلك يجب تحديد فترة العضوية في مجلس الادارة بخمس سنوات مثلا ,مع ضرورة التجديد لنصف المجلس كل مرة  لتجنب أي نتائج سلبية تنتج عن التجديد الكلي لأعضاء مجلس الادارة دفعة واحدة .

تخصيص نسبة من عضوية مجلس الادارة للشباب و النساء بما يمثل عملية تأهيل لهم\ن  في مجال إدارة الشركات المساهمة و لضمان تواصل الاجيال و نقل الخبرة. كذلك تخصيص نسبة للمستقلين وهم حسب تعريف قانون الشركات  : هم من ليسوا من المساهمين أو ممن  لديهم عقود عمل إستشارية مع الشركات لضمان النزاهة  و الشفافية و تفعيل الرقابة , كذلك. تخصيص نسبة لصغار المساهمين كي يتمكنوا من الدفاع عن مصالح شريحهتم . 

تحديد سن التقاعد لأعضاء مجلس  الادارة تنتهى معه عضويتهم بغض النظر عن قيمة  ملكيتهم في أصول الشركة و بغض النظر عن طبيعة الخبرة التي يمتلكونها . الكثير من الدول حددت سن 60 عاما كسن مناسب للتقاعد و التخلي عن عضوية مجلس الادارة .

تحديد قيمة المكافآت التي يمكن منحها لإعضاء مجلس الادارة ليس  بمقياس النسبة فقط بل بالقيمة,  على سبيل الاقتراح :  يحق للشركات المساهمة توزيع مكافآت على أعضاء مجالس الادارة بنسبة لا تزيد عن 3% من الارباح الصافية أو 15,000 دولار كحد أقصى  . وهو ما بدأت بتطبيقه الكثير من الدول بما فيها دول خليجية.   لنأخذ السيد وارين بافيت، أحد أثرى رجال الأعمال في العالم مثالا حيث يتلقى السيد بافييت راتبا يُقدّر بـ 100 ألف دولار سنويا وهو الذي يشغل منصب الرئيس التنفيذي للشركة التي هو أكبر مساهميها.  يجب ملاحظة الفرق الشاسع هنا بين حجم الشركات التي يتبوأ السيد بافيت منصبا بها و الخبرة التي يمتلكها و هما شرطان قد لا يتوفران للعديد من أعضاء مجالس الادارة في فلسطين .

 

  عمر شعبان

خيبر إقتصادي و رئيس بال ثينك للدراسات الاستراتيجية بغزة

omar@palthink.org

www.palthink.org

اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى