مقالات و آراء

إنه الوقت كي يقف العرب مع مصر


عمر شعبان *
مرت ثلاثة شهور على بدء فعاليات الثورة المصرية التي نجحت في استبدال النظام المصري  بطريقة حضارية جدا، نالت إعجاب العدو قبل الصديق, هذه الثورة التي أدخلت مصر و العرب إلى عصر النهضة والحداثة، حيث عملت هذه الثورة  النوعية في نتائجها و منهجيتها على تغيير ليس صورة الشعب المصري فقط, بل صورة الشعوب العربية جميعا أمام أنفسهم و أمام الآخرين أيضا. لقد وضعت الثورة المصرية العرب  على خارطة الشعوب المثابرة التي لا ترضى بالذل و الهوان، عكس الانطباع السائد في الغرب عن الشعوب العربية سابقا، كما جاء في تقرير صحفي نشرته صحيفة لوموند ديبلومتيك ضمن مقال تحليلي عن الثورات العربية كتبه الصحفي ألين غريش ونشر قبل بضعة أسابيع . ومازال الشعب المصري يستكمل جهوده لإنجاح الثورة و الوصول بها إلى بر الامان و التغلب على الأمواج  العاتية و المعيقات التي يضعها أعداء الثورة في الداخل و الخارج أمام مسيرتها  ولذلك من الضروري أن لا يقف العرب موقف المتفرح و المعجب بالثورة المصرية دون التفكير مليا في كيفية مساندتها و مدها بدماء النجاح و الاستمرار . إن نجاح الثورة  المصرية هي مصلحة عربية بامتياز.  إن ربيع الثورات العربية المتواصل بدءا بتونس و مرورا بمصر وسوريا و اليمن، إلى أن يطال جميع الشعوب المتطلعة للحرية و التنمية سيعمل على تغيير الصورة النمطية عن  الشعوب العربية من أنها شعوب لا تسعى للحرية ولا تبذل الكثير من أجل نيلها وأنها شعوب  لا تعرف الديموقراطية و لا كيفية ممارستها  وبأنها شعوب رضيت بأن تعيش في كنف أنظمة عائلية و قبلية تصادر حريتها و تنهب ثرواتها. لقد ساهمت هذه الثورات في تعزيز ثقة الشعوب العربية في ذاتها و في قدرتها على التغيير وأثيتت أنها لا تقل وعيا وحرصا على الديمقراطية عن باقي شعوب الأرض.  ونستطيع أن نلمس ذلك جليا في الإعلام العربي الذي يمجد ثورات مصر و تونس بشكل متواصل،  فقد حان الوقت للعرب كي يساندوا ثورات التغيير ليس بالمديح فقط، لكن بالعمل و ذلك من خلال هذه المقترحات :

على الصعيد العربي:
•العمل على تبني سياسة و خطاب إعلامي مساند للثورة المصرية دون تهويل أو تهوين
•تنظيم حفلات وفعاليات فنية وثقافية في الدول العربية تحتفي بالثورة المصرية وتنشر مبادئها و يدعى لها فنانو مصر ومثقفيها وفلاسفتها، بما يعزز مشاعر التأييد و المساندة و يعيد صياغة العلاقة بين مصر و العرب كما يجب أن تكون في الواقع و ليس كما كان لها أن تكون . وهنا يأتي دور المجتمع المدني العربي في تنظيم مثل هذه الفعاليات .
•توجيه السياحة العربية إلى مصر، بحيث يزور مصر 10 مليون سائح عربي سنويا، حيث يعتبر قطاع السياحة في مصر أحد أهم مصادر الدخل و التشغيل في الاقتصاد المصري، حيث تدر دخلا لا يقل عن 15 مليار دولار و تشغل أكثر من خمسة ملايين مصري . وفي هذا الصدد يجب العمل على تعزيز  ثقافة السياحة لدى الشعب المصري و العمل على معالجة السلوكيات السلبية لبعض الشرائح في المجتمع المصري التي هي على تماس مباشر مع السياحة كالسائقين وعمال الفنادق و الشرطة في المطارات و الموانئ …إلخ .
•تكثيف تنظيم المؤتمرات العربية في مصر و تعزيز برامج التبادل الثقافي و الاكاديمي و العمل على تنظيمها في مدن مصر الرئيسية، بما يدر دخلا على الاقتصاد المصري، و يؤكد للشعب المصري على مساندة الشعوب و المنظمات العربية مع شعب مصر في هذه الظروف الخاصة .•
•توجيه وتعزيز الاستثمار العربي في مصر، بما يشمل كل القطاعات آخذا في الاعتبار أن البيئة الاستثمارية في مصر بعد الثورة ستكون أفضل، و أكثر ربحية، حيث قضت الثورة على مراكز القوى التي كانت تستأثر و تحتكر فرص الاستثمار وحيث كانت رموز النظام السابق تمارس عملية الشراكة الإجبارية و الاستبداد و الابتزاز التجاري . لقد أكدت الكثير من الدراسات العلمية على أن فرص الاستثمار في مصر غير محدودة وفي كافة المجالات . كذلك كشفت الابحاث العلمية أن صحاري مصر مليئة بالموارد الطبيعية كاللوثيوم واليورانيوم •
•دفع وتوجيه الطلبة العرب للدراسة في جامعات و معاهد مصر  العريقة، بحيث يصل عدد الطلبة العرب الذي يسجلون في الجامعات المصرية إلى ثلاثين ألف طالب عربي سنويا  .
•أن تعمل الحكومات و الشعوب العربية التي تستضيف العمالة المصرية، كدول الخليج مثلا، على تحسين  ظروف عمل أفضل للعمالة المصرية  لديها و تسهيل تحويلات العاملين المصريين منها  إلى مصر، كي يتمكن المصريون في الخارج من المساهمة في مواجهة الازمة الاقتصادية  التي يواجهها الاقتصاد المصري حاليا و في توفير الموارد المالية لخطط التنمية للتي بدأت في وضعها حكومة الثورة في مصر . •
•على الدول الخليجية الثرية خاصة السعودية و الكويت القيام بشراء الديون الخارجية المصرية ومن ثم إعادة جدولتها على الحكومة المصرية القادمة مع إعطائها فترة سماح طويلة المدى. وتبلغ ديون مصر الخارجية حوالي 30 مليار دولار،  يتم دفع فوائد هائلة عليها سنويا، لقد ذكر وزير المالية المصرية د. سمير رضوان أن  الديون الأمريكية على مصر والتي تبلغ حوالي  3.5 مليار دولار يستحق عليها حوالي 025 مليون دولار سنويا أي أن مصر قامت عبر السنوات الماضية دفع قيمة أصل الدين عدة مرات. مما لا شك فيه أن الولايات المتحدة الأمريكية تستعمل الضغط السياسي على مصر بتسليط سيف الديون و المعونة الأمريكية على رقبة القرار المصري السيادي.  فدول مثل السعودية والكويت و قطر يتوافر لديها مدخولات نقدية هائلة تقدر بمئات المليارات من الدولارات في خزائنها و في صناديقها السيادية . هذه الدول و صناديقها السيادية تبحث منذ فترة عن فرص استثمار لضخ هذه الأموال السائلة فيها. ومن المعروف أن وجود فوائض نقدية كبيرة دون استثمار يسبب التضخم و يرفع الأسعار و يزيد من حجم الاستهلاك الترفي كما حدث في الإمارات و الكويت بعد  الارتفاع الهائل الذي حدث في سعر البترول قبل عدة سنوات، مما رفع نسب التضخم بشكل مهول  ومما دفع  بعض الحكومات الخليجية إلى إتخاذ خطوات غير علمية، كتوزيع أموال نقدية كبيرة على كافة أفراد الشعب و شراء قروض البنوك عن مواطنيها, ليس لسبب سوى التخلص من  هذه الفوائض  النقدية التي تضر بالاقتصاد إن لم تستثمر .
•أن تقوم الدول الخليجية الثرية بإيداع 20 مليار دولار في البنك المركزي المصري و البنوك المصرية  الرئيسية، مما سيعمل على رفع درجة الأمان و الثقة في الاقتصاد المصري من قبل المؤسسات الاستثمارية الدولية, وسيعمل على زيادة الثقة في البورصة المصرية و يوقف منحنى الانخفاض الذي تعانيه البورصة المصرية منذ الثورة . ومما يجدر ذكره هنا، وأنه في أعقاب الحرب الإسرائيلية المدمرة على لبنان في تموز 2006,  سارعت المملكة العربية السعودية إلى إيداع 4 مليار دولار في البنك المركوي اللبناني، مما كان له أثر قاطع في منع  انهيار الاقتصاد اللبناني الذي كان يئن تحت وطأة الديون الخارجية ومتطلبات إعادة أعمار ما دمرته الحرب . هذه الإيداعات ليست قروضا بل هي فقط ضمانات تودعها الحكومة السعودية لدى البنك المركزي المصري .
•على الصعيد المصري كي يتحقق ذلك و يتمكن العرب من مساندة مصر، فهناك الكثير مما يجب عمله من قبل  مصر حكومة و شعبا و مؤسسات  وهذه بعض المقترحات في هذا المجال :
•على الإعلام المصري أن يتوقف عن الخطاب  العدائي الذي كان  سائدا تجاه العرب في الماضي والذي كان ملخصه ” العرب يكرهون مصر” ، هذا الخطاب كان مزروعا بقصد من قبل  رموز النظام السابق لمنع التواصل العربي المصري، كما كانت الحال في  محاولات إشغال الشعب المصري في خلافات كروية، كالتي حدثت بين مصر و الجزائر أو تلك الخلافات المختلقة بين مصر و الشعب الفلسطيني أو في محاولات زرع الفتنة بين مسلمي مصر و أقباطها . لقد أزاحت الثورة المصرية من طريقها وهي تزيح النظام جميع هذه المقولات الزائفة التي عمل النظام السايق على ترويجها بهدف شغل الرأي العام المصري . إن العرب يكنون تقديرا عطيما لمصر و شعبها و حضارتها و دورها،  وقد زاد هذا التقدير درجات مضاعفة بعد الثورة .
•على الحكومة المصرية تسهيل الاستثمار العربي في مصر وتخفيف الإجراءات والقوانين واللوائح وتقديم خارطة الاستثمار في مصر، كي يتعرف المستثمر العربي عليها ويقدم على الاستثمار في مصر دون خوف و بثقة عالية بجدوى الاستثمار . •
•على سفراء مصر في العالم العربي والدول الصديقة تكثيف لقاءاتهم مع شرائح متعددة من المجتمع في الدول التي يخدمون فيها،  بما يعمل على توضيح سياسة مصر الجديدة، و يؤكد إيمان مصر و التزامها بمحيطها العربي و بقضاياه  وكذلك تعمل مثل هذه اللقاءات على استجلاب الدعم الو المساندة العربية لمصر الثورة،  وكذلك أن تقوم منظمات المجتمع المدني المصرية باستضافة السفراء العرب في القاهرة ضمن فعاليات ثقافية وسياسية وبما يجسر الهوة و يعزز الفهم والتضامن المشترك.

•الكل يدرك ان مصر بحاجة إلى وقت قد يكون طويلا للنهوض من جديد، وأن الثورة  أمامها الكثير لتنجزه  كي تصل بمصر إلى بر الأمان، و أن الفشل لا قدر الله و أو البطء في قطف ثمار الثورة لن يضر بمصر فقط بل سيكون نهاية الحلم العربي في مستقبل أفضل, ولذا علينا جميعا أن نقف لنجدة مصر و رد الجميل لها ليس بقصائد الشعر، بل بخطط و برامج عملية يشعر بها الشعب المصري و تعود بالنفع على طرفي العلاقة.. مصر و العرب، وعلى الصعيد الفلسطيني، فإن أفضل ما نساند به مصر،  و نحن ليس لدينا  بترولا و لا أموالا هائلة هو التخفيف عنها بمشاكلنا، عبر  تحقيق المصالحة و الوحدة الوطنية و بسرعة مما سيرفع  هما كبيرا عن كاهل مصر و سينهي أحد أهم الملفات التي كانت سببا في توتير العلاقة المصرية الفلسطينية في السنوات الماضية .

اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى